محمد كرد علي
330
خطط الشام
في جيش الأمة بل في طليعته المتيقظة . السخاء مغروس في أكثرهم والمروءة والوفاء غريزتان يورثهما الآباء لأبنائهم ، وهم يبعدون عن أرباب السلطات ، دأبهم التوفر على صناعاتهم وزراعاتهم ، وقلما تحدثهم أنفسهم أن يتخذوا بديلا عن عمل عاناه آباؤهم وأجدادهم . الأخلاق التي تعبث بالفضائل هي التي رسخت في بعض العلية من أهله . وشهد اللّه أن هذه الأمة لا تشكو قلة علمها بقدر ما تشكو ضعف أخلاقها ، وإذا أخذت المطامع البشعة من قلوب دعاة الإصلاح وحماة الحوزة كيف يوجه اللوم على من كان دون طبقتهم ؟ ومما يسوء أن كان أقرب الناس إلى إدراك معنى الفضائل أسرعهم إلى عقوقها وانتهاك حرماتها . وإذا كانت في الطبقة الوسطى هنات لا يخلو منها إنسان فهي كالعوذة يتقى بها شر الحاسد ، ويصان بها جمال المكرمات والمحامد ، وقلما يخلو بشر من عيوب صغيرة ضررها على صاحبها وحده . أكثر ما تعاب به هذه الأمة عصيانها على الأنظمة والشرائع لا تطبق منها إلا ما لا يمس بمصالحها الخاصة ، فإذا كان في بعضها ما يخالف الشهوات والأغراض خرجت عليها وحاربتها والمهيمنين عليها . ولذلك صعبت هنا في كل قرن مهمة المصلحين في إصلاحهم لقلة الثبات وونى الهمم . فقد يسرع بعضهم في التصديق خصوصا إذا أحسنت الدعاية بادئ بدء ولكنهم سرعان ما ينقضون العهد . ومن أضرّ ما يضر هذا الشعب أنه قلما يخضع للزعيم خضوعا حقيقيا تقرأ معانيه في حركاته وسكناته ولو كان الزعيم في الغاية من حسن الأخلاق وإرادة الخير لها . وهذه أخلاق العرب بعينها أفرطوا في حب حريتهم فحاول الصعلوك فيهم أن يكون وجيها فسارع الانحلال إلى دولهم بالطبيعة وظهر التخبط في إحرازهم الرياسات منذ فجر الإسلام . وظلت هذه الأخلاق متسلسلة في دمائهم . وقد يريد الطامع في شيء أن تنقلب الدولة رأسا على عقب ، وتنتقل ولو إلى عدوه ، على أن يتولاها قريبه الذي لا يحبه وأن يهلك في الحمم والنيران المستعرة فريق عظيم من قومه إذا كان له من هذا الحريق ما يشوي به سمكته . وأنت إذا حللت روح الشاميين تراهم فرادى لا يقلون كثيرا عن